إتصل بنا القوانين الإعلانات الإستضافة الأوسمة والجوائز رفع الملفات المدونات المجموعات مكتبة الفيديو مكتبة الصور مكتبة الملفات النادي الصفحة الرئيسية
::SyRiAn BoY::
 
مواعظ وأذكار:
العودة   ::SyRiAn BoY CluB:: > ..:: مساحـــات عـــامــة ::.. > [ نـــــــوادي عامة ] > ¤ النـــــــادي الاسلامي ¤

          
    
Share This Forum!  
¤ النـــــــادي الاسلامي ¤ هنا لمناقشة المواضيع الديانة الاسلامية !!


رد
 
  #37 (permalink)  
قديم 04-11-2007, 03:20 PM
الصورة الرمزية NokiaXP


______________

من مواضيعــي إبداعاتــي

أوسمــتي

NokiaXP غير متواجد حالياً

الملف الشخصي
رقــــم العضويـــــــــة: 1079
تاريــخ التسجيـــــــل: Mar 2007
الجنــــــــــــــــــــس:
العــــــــــمـــــــــــــر: 43
مكان الإقـــــامـــــــة: In her heart
مجموع المشاركــات : 1,836  [ ؟ ]
صور الجاليــــــــــــري: 0  [ ؟ ]
النقـاط / قـوة التقـييم: 1926 / 96
مستــوى الســـمعة: NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future
آخــــر تواجـــــــــــد: 12-17-2009 [ 10:06 PM ]
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى NokiaXP

رد: رجال حول الرسول { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله }


خبّاب بن الأرتّ

( أستاذ فنّ الفداء )



خرج نفر من القرشيين, يعدّون الخطى, ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..

وقد كان خباب سيّافا, يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة, ويرسل بها إلى الأسواق..

وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله, لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..

وبعد حين طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة, وفي عينيه دموع مغتبطة.. وحيّا ضيوفه وجلس..

وسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟؟

وجفت دموع خباب, وحل مكانها في عينيه سرور متألق, وقال وكأنه يناجي نفسه: إن أمره لعجب..

وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا, هل أتممت صنعها..؟؟

ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:

هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟

وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب..

ويعود أحدهم فيسأله في خبث:

هل رأيته أنت يا خبّاب..؟؟

ويسخر خبّاب من مكر صاحبه, فيردّ عليه السؤال قائلا:

من تعني..؟

ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه..؟

ويجيب خبّاب بعد إذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج, وأنه اعترف بإيمانه الآن أمامهم, فليس لأنهم خدعوه عن نفسه, واستدرجوا لسانه, بل لأنه رأى الحق وعانقه, وقرر أن يصدع به ويجهر..



يجيبهم قائلا, وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:

أجل... رأيته, وسمعته.. رأيت الحق يتفجر من جوانبه, والنور يتلألأ بين ثناياه..!!

وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون, فصاح به أحدهم:

من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار..؟؟

وأجاب خبّاب في هدوء القديسين:

ومن سواه, يا أخا العرب.. من سواه في قومك, من يتفجر من جوانبه الحق, ويخرج النور بين ثناياه..؟!

وصاح آخر وهبّ مذعورا:

أراك تعني محمدا..

وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة, وقال:

نعم انه هو رسول الله إلينا, ليخرجنا من الظلمات إلى النور..

ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات, ولا ماذا قيل له..

كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا.. وجسمه وعظامه تعاني رضوضاَ وآلاما, ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده..!!



وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله.. وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة, فتحمّل على آلامه, ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها, وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق, وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..إنهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. إنهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته, وفي حياة الناس الذين معه في مكة, والناس في كل مكان وزمان..

ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم, هو النور الذي يهدي إلى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة..؟؟

واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية, وتفكير عميق.. ثم عاد إلى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده, ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد,

وآلام جديدة..!!



ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..

أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم, وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها..

أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية, والقيصرية.. مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين, الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل, وأذاقوهم الحرمان والعذاب..

وفي استبسال عظيم, حمل خبّاب تبعاته كرائد..

يقول الشعبي:

" لقد صبر خبّاب, ولم تلن له أيدي الكفار قناة, فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرصف حتى ذهب لحمه"..!!

أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا, ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..

لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل, كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج, ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..

ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا جزعين من التضحية, بل راجين العافية, فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...



ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:

" شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة, فقلنا: يا رسول الله, ألا تستنصر لنا..؟؟

فجلس صلى الله عليه وسلم, وقد احمرّ وجهه وقال:

قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل, فيحفر له في الأرض, ثم يجاء بمنشار, فيجعل فوق رأسه, ما يصرفه ذلك عن دينه..!!

وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى الله عز وجل, والذئب على غنمه, ولكنكم تعجلون"..!!



سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات, فازداد إيمانهم وإصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله

ما يحبّان من تصميم وصبر, وتضحية.

وخاض خبّاب معركة الهول صابرا, صامدا, محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه, فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..

وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب, وتضعه فوق رأسه ونافوخه, وخبّاب يتلوى من الألم, لكنه يكظم أنفاسه, حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!



ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما, والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه, فطار قلبه حنانا وأسى, ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب..؟؟

لا شيء إلا أن يثبته ويدعو له..

هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين إلى السماء, وقال:

" اللهم انصر خبّابا"..

ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل, كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغيرها من الجلادين, ذلك أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..!!

وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..!!

وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمّى يصبّحه ويمسّيه..!!



كانت قريش تقاوم الإيمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..

ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..

ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة, بل استثمر قدرته على التعليم, فكان يغشى بيوت بعض إخوانه من المؤمنين الذين يكتمون إسلامهم خوفا من بطش قريش, فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم إياه..



ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة, سورة حتى إن عبدالله بن مسعود, وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يقرأ القرآن غصّا كما أنزل, فليقراه بقراءة ابن أم عبد"..

نقول: حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة..



وهو الذي كان يدرّس القرآن لـفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندهم فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الإسلام ورسوله, لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب, حتى صاح صيحته المباركة:

" دلوني على محمد"...!!



وسمع خبّاب كلمات عمر هذه, فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح:

" يا عمر..

والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم, فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الإسلام بأحبّ الرجلين إليك.. أبي الحكم بن هشام, وعمر بن الخطاب"..

وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب:

" عند الصفا, في دار الأرقم بن أبي الأرقم"..

ومضى عمر إلى حظوظه الوافية, ومصيره العظيم..!!



شهد خبّاب بن الأرت جميع المشهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم, وعاش عمره كله حفيظا على إيمانه ويقينه....

وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان, رضي الله عنهما, كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين إلى الإسلام..

وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة, وكان يضع أمواله في مكان ما من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة, يذهب فيأخذ من المال حاجته..

ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن, ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بذلوا حياهم لله, ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين, وتكثر في أيديهم الأموال.

اسمعوه وهو يتحدث إلى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو رضي الله عنه في مرض موته.

قالوا له:

أبشر يا أبا عبدالله, فانك ملاق إخوانك غدا..

فأجابهم وهو يبكي:

" أما انه ليس بي جزع .. ولكنكم ذكّرتموني أقواما, وإخوانا, مضوا بأجورهم كلها لم ينالوا من الدنيا شيئا..

وإنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا إلا التراب"..

وأشار إلى داره المتواضعة التي بناها.

ثم أشار مرة أخرى إلى المكان الذي فيه أمواله وقال:

" والله ما شددت عليها من خيط, ولا منعتها من سائل"..!

ثم التفت إلى كنفه الذي كان قد أعدّ له, وكان يراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسيل:

" أنظروا هذا كفني..

لكنّ حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد إلا بردة ملحاء.... إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه, وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!!



ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة..

مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..

وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الإسلام..!!



مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم, ويحييهم, عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما, وللفقراء من أمثال :خبّاب, وصهيب, وبلال يوما آخر.

فإذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم, وتهل آياته قائلة للرسول الكريم:

( وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ {52} الأنعام)..



وهكذا, لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في إكرامهم فيفرش لهم رداءه, ويربّت على أكتافهم, ويقول لهم:

" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"..

أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي, وجيل التضحية...



ولعل خير ما نودّعه به, كلمات الإمام علي كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين, فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب, فسأل: قبر من هذا..؟

فأجابوه: انه قبر خبّاب..

فتملاه خاشعا آسيا, وقال:

رحم الله خبّابا..

لقد أسلم راغبا.

وهاجر طائعا..

وعاش مجاهدا..
رد مع اقتباس
  #38 (permalink)  
قديم 04-11-2007, 03:20 PM
الصورة الرمزية NokiaXP


______________

من مواضيعــي إبداعاتــي

أوسمــتي

NokiaXP غير متواجد حالياً

الملف الشخصي
رقــــم العضويـــــــــة: 1079
تاريــخ التسجيـــــــل: Mar 2007
الجنــــــــــــــــــــس:
العــــــــــمـــــــــــــر: 43
مكان الإقـــــامـــــــة: In her heart
مجموع المشاركــات : 1,836  [ ؟ ]
صور الجاليــــــــــــري: 0  [ ؟ ]
النقـاط / قـوة التقـييم: 1926 / 96
مستــوى الســـمعة: NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future
آخــــر تواجـــــــــــد: 12-17-2009 [ 10:06 PM ]
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى NokiaXP

رد: رجال حول الرسول { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله }


خبيب بن عديّ

( بطل.. فوق الصليب..!! )



والآن..



أفسحوا الطريق لهذا البطل يا رجال..

وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان..

تعالوا, خفاقا وثقالا..

تعالوا مسرعين, وخاشعين..

وأقبلوا, لتلقنوا في الفداء درسا ليس له نظير..!!

تقولون: أوكل هذا الذي قصصت علينا من قبل لم تكن دروسا في الفداء ليس لها نظير..؟؟



أجل كانت دروسا..

وكانت في روعتها تجلّ عن المثيل وعن النظير..

ولكنكم الآن أمام أستاذ جديد في فن التضحية..

أستاذ لوفاتكم مشهده, فقد فاتكم خير كثير, جدّ كثير..

إلينا يا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد..

إلينا يا عشاق السموّ من كل عصر وأمد..

وأنتم أيضا يا من أثقلكم الغرور, وظننتم بالأديان والإيمان ظنّ السّوء..

تعالوا بغروركم..!

تعالوا وانظروا أية عزة, وأية منعة, وأي ثبات, وأيّ مضاء.. وأي فداء, وأي ولاء..

وبكلمة واحدة, أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الإيمان بالحق على ذويه المخلصين..!!

أترون هذا الجثمان المصلوب..؟؟

انه موضوع درسنا اليوم, يا كلّ بني الإنسان...!

هذا الجثمان المصلوب أمامكم هو الموضوع, وهو الدرس, وهو الأستاذ..

اسمه خبيب بن عديّ.

احفظوا هذا الاسم الجليل جيّدا.

واحفظوه وانشدوه, فانه شرف لكل إنسان.. من كل دين, ومن كل مذهب, ومن كل جنس, وفي كل زمان..!!



انه من أوس المدينة وأنصارها.

تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر إليهم, وآمن بالله رب العالمين.

كان عذب الروح, شفاف النفس, وثيق الإيمان, ريّان الضمير.

كان كما وصفه حسّان بن ثابت:

صقرا توسّط في الأنصار منصبه **** سمح الشجيّة محضا غير مؤتشب

ولما رفعت غزوة بدر أعلامها, كان هناك جنديا باسلا, ومقاتلا مقداما.

وكان من بين المشركين الذين وقعوا في طريقه إبّان المعركة فصرعهم بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.

وبعد انتهاء المعركة, وعودة البقايا المهزومة من قريش إلى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم, وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة: خبيب بن عديّ..!!



وعاد المسلمون من بدر إلى المدينة, يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد..

وكان خبيب عابدا, وناسكا, يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين, وشوق العابدين..

هناك أقبل على العبادة بروح عاشق.. يقوم الليل, ويصوم الناهر, ويقدّس لله رب العالمين..



وذات يوم أراد الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يبلو سرائر قريش, ويتبيّن ما ترامى إليه من تحرّكاتها, واستعدادها لغزو جديد.. فاختار من أصحابه عشرة رجال.. من بينهم خبيب وجعل أميرهم عاصم بن ثابت.

وانطلق الركب إلى غايته حتى إذا بلغوا مكانا بين عسفان ومكة, نمي خبرهم إلى حيّ من هذيل يقال لهم بنو حيّان فسارعوا إليهم بمائة رجل من أمهر رماتهم, وراحوا يتعقبونهم, ويقتفون آثارهم..

وكادوا يزيغون عنهم, لولا أن أبصر أحدهم بعض نوى التمر ساقطا على الرمال.. فتناول بعض هذا النوى وتأمله بما كان للعرب من فراسة عجيبة, ثم صاح في الذين معه:

" انه نوى يثرب, فلنتبعه حتى يدلنا عليهم"..

وساروا مع النوى المبثوث على الأرض, حتى أبصروا على البعد ضالتهم التي ينشدون..

وأحس عاصم أمير العشرة أنهم يطاردون, فدعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل..

واقترب الرماة المائة, وأحاطوا بهم عند سفح الجبل وأحكموا حولهم الحصار..

ودعوهم لتسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم موثقا ألا ينالهم منهم سوء.

والتفت العشرة إلى أميرهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين.

وانتظروا بما يأمر..

فإذا هو يقول:" أما أنا, فوالله لا أنزل في ذمّة مشرك..

اللهم أخبر عنا نبيك"..



وشرع الرماة المائة يرمونهم بالنبال.. فأصيب أميرهم عاصم واستشهد, وأصيب معه سبعة واستشهدوا..

ونادوا الباقين, أنّ لهم العهد والميثاق إذا هم نزلوا.

فنزل الثلاثة: خبيب بن عديّ وصاحباه..

واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدّثنّة فأطلقوا قسيّهم, وربطوهما بها..

ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر, فقرر أن يموت حيث مات عاصم وإخوانه..

واستشهد حيث أراد..

وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين إيمانا, وأبرّهم عهدا, وأوفاهم لله ولرسوله ذمّة..!!

وحاول خبيب وزيد أن يخلصا من وثاقهما, ولكنه كان شديد الإحكام.

وقادهما الرماة البغاة إلى مكة, حيث باعوهما لمشركيها..

ودوّى في الآذان اسم خبيب..

وتذكّر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر, تذكّروا ذلك الاسم جيّدا, وحرّك في صدورهم الأحقاد.

وسارعوا إلى شرائه. ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.

وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدّون لمصير يشفي أحقادهم, ليس منه وحده, بل ومن جميع المسلمين..!!

وضع قوم آخرون أيديهم على صاحب خبيب زيد بن الدّثنّة وراحوا يصلونه هو الآخر عذابا..



أسلم خبيب قلبه, وأمره , ومصيره لله رب العالمين.

وأقبل على نسكه ثابت النفس, رابط الجأش, معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر, ويلاشي الهول.

كان الله معه.. وكان هو مع الله..

كانت يد الله عليه, يكاد يجد برد أناملها في صدره..!

دخلت عليه يوما إحدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره, فغادرت مكانه مسرعة إلى الناس تناديهم ليبصروا عجبا..

" والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه..

وانه لموثق في الحديد.. وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة..

ما أظنه إلا رزقا رزقه الله خبيبا"..!!



أجل آتاه الله عبده الصالح, كما آتى من قبل مريم بنت عمران, يوم كانت:

(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ {37} آل عمران)..



وحمل المشركون إلى خبيب نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه.

ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه, ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن الله الرحيم قد استضافه, وأنزل عليه سكينته ورحمته.

وراحوا يساومونه على إيمانه, ويلوحون له بالنجاة إذا ما هو كفر لمحمد, ومن قبل بربه الذي آمن به.. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل..!!

أجل, كان ايمان خبيب كالشمس قوة, وبعدا, ونارا ونورا..

كان يضيء كل من التمس منه الضوء, ويدفئ كل من التمس منه الدفء, أم الذي يقترب منه ويتحدّاه فانه يحرقه ويسحقه..

وإذا يئسوا مما يرجون, قادوا البطل إلى مصيره, وخرجوا به إلى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..

وما إن بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين, وأذنوا له ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه وإعلان الكفران بالله وبرسوله وبدينه..

وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام وإخبات...



وتدفقت في روحه حلاوة الإيمان, فودّ لو يظل يصلي, ويصلي ويصلي..

ولكنه التفت صوب قاتليه وقال لهم:

" والله لا تحسبوا أن بي جزعا من الموت, لازددت صلاة"..!!

ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال:

" اللهم أحصهم عددا.. واقتلهم بددا"..

ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد:


ولست أبالي حين أقتل مسلما **** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وان يشــأ **** يبـــــــارك على أوصال شلو ممزّع



ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب..

ولقد أعدّوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوا فوقه خبيبا.. وشدّوا فوق أطرافه وثاقه.. واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة.. ووقف الرماة يشحذون رماحهم.

وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود أمام البطل المصلوب..!!

لم يغمض عينيه, ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.

وبدأت الرماح تنوشه, والسيوف تنهش لحمه.

وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له:

" أتحب أن محمدا مكانك, وأنت سليم معافى في أهلك"..؟؟

وهنا لا غير انتفض خبيب كالإعصار وصاح, في قاتليه:

" والله ما أحبّ أني في أهلي وولدي, معي عافية الدنيا ونعيمها, ويصاب رسول الله بشوكة"..



نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد وهم يهمّون بقتله..! نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب اليوم.. مما جعل أبا سفيان, وكان لم يسلم بعد, يضرب كفا بكف ويقول مشدوها:" والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا"..!!



كانت كلمات خبيب هذه إيذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد البطل غايتها, فتناوشه في جنون ووحشية..

وقريبا من المشهد كانت تحوم طيور وصقور. كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان وجبة شهيّة..

ولكنها سرعان ما تنادت وتجمّعت, وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل الحديث والنجوى.

وفجأة طارت تشق الفضاء, وتمضي بعيدا.. بعيدا..



لكأنها شمّت بحاستها وبغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب, فخذلت أن تقترب منه أو تناله بسوء..!!

مضت جماعة الطير إلى رحاب الفضاء متعففة منصفة.



وعادت جماعة المشركين إلى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية..

وبقي الجثمان الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف..!!



كان خبيب عندما رفعوه إلى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا, قد يمّم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا:

" اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا"..

واستجاب الله دعاءه..

فبينما الرسول في المدينة إذ غمره إحساس وثيق بأن أصحابه في محنة..

وتراءى له جثمان أحدهم معلقا..

ومن فوره دعا المقداد بن عمرو, والزبير بن العوّام..

فركبا فرسيهما, ومضيا يقطعان الأرض وثبا.

وجمعهما الله بالمكان المنشود, وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب, حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمّه تحت ثراها الرطيب.



ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب.

ولعل ذلك أحرى به وأجدر, حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ, وفي ضمير الحياة, بطلا.. فوق الصليب..!!!
رد مع اقتباس
  #39 (permalink)  
قديم 04-11-2007, 03:22 PM
الصورة الرمزية NokiaXP


______________

من مواضيعــي إبداعاتــي

أوسمــتي

NokiaXP غير متواجد حالياً

الملف الشخصي
رقــــم العضويـــــــــة: 1079
تاريــخ التسجيـــــــل: Mar 2007
الجنــــــــــــــــــــس:
العــــــــــمـــــــــــــر: 43
مكان الإقـــــامـــــــة: In her heart
مجموع المشاركــات : 1,836  [ ؟ ]
صور الجاليــــــــــــري: 0  [ ؟ ]
النقـاط / قـوة التقـييم: 1926 / 96
مستــوى الســـمعة: NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future NokiaXP has a brilliant future
آخــــر تواجـــــــــــد: 12-17-2009 [ 10:06 PM ]
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى NokiaXP

رد: رجال حول الرسول { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله }


خالد بن سعيد

( فدائيّ - من الرعيل الأول )



في بيت وارف النعمة, مزهو بالسيادة, ولأب له في قريش صدارة وزعامة, ولد خالد بن سعيد بن العاص, وان شئتم مزيدا من نسبه فقولوا: ابن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف..

ويوم بدأت خيوط النور تسري في أنحاء مكة على استحياء, هامسة بأن محمدا الأمين يتحدث عن وحي جاءه في غار حراء, وعن رسالة تلقاها من الله ليبلغها إلى عباده, كان قلب خالد يلقي للنور الهامس سمعه وهو شهيد..!!

وطارت نفسه فرحا, كأنما كان وهذه الرسالة على موعد.. وأخذ يتابع خيوط النور في سيرها ومسراها.. وكلما سمع ملأ من قومه يتحدثون عن الدين الجديد, جلس اليهم وأصغى في حبور مكتوم, وبين الحين والحين يطعّم الحديث بكلمة منه, أو كلمات تدفعه في طريق الذيوع, والتأثير, والإيحاء..!

كان الذي يراه آنئذ, يبصر شابا هادئ السمت, ذكيّ الصمت, بينما هو في باطنه وداخله, مهرجان حافل بالحركة والفرح.. فيه طبول تدق.. ورايات ترتفع.. وأبواق تدوّي.. وأناشيد تصلي.. وأغاريد تسبّح..

عيد بكل جمال العيد, وبهجة العيد وحماسة العيد, وضجة العيد..!!!

وكان الفتى يطوي على هذا العيد الكبير صدره, ويكتم سرّه, فان أباه لو علم أنه يحمل في سريرته كل هذه الحفاوة بدعوة محمد, لأزهق حياته قربانا لآلهة عبد مناف..!!

ولكن أنفسنا الباطنة حين تفعم بأمر, ويبلغ منها حدّ الامتلاء فإنها لا تملك لإفاضته دفعا..

وذات يوم..

ولكن لا.. فان النهار لم يطلع بعد, وخالد ما زال في نومه اليقظان, يعالج رؤيا شديدة الوطأة, حادة التأثير, نفاذة العبير..



نقول إذن: ذات ليلة, رأى خالد بن سعيد في نومه أنه واقف على شفير نار عظيمة, وأبوه من ورائه يدفعه بكلتا يديه, ويريد أن يطرحه فيها, ثم رأى رسول الله يقبل عليه, ويجذبه بيمينه المباركة من إزاره فيأخذه بعيدا عن النار واللهب..

ويصحو من نومه مزوّدا بخطة العمل في يومه الجديد, فيسارع من فوره إلى دار أبي بكر, ويقصّ عليه الرؤيا.. وما كانت الرؤيا بحاجة إلى تعبير..

وقال له أبو بكر:

" انه الخير أريد لك.. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه, فان الإسلام حاجزك عن النار".

وينطلق خالد باحثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يهتدي إلى مكانه فيلقاه, ويسأل النبي عن دعوته, فيجيبه عليه السلام:

" تؤمن بالله وحده, ولا تشرك به شيئا..

وتؤمن بمحمد عبده ورسوله.. وتخلع عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر, ولا تضر ولا تنفع"..

ويبسط خالد يمينه, فتلقاها يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفاوة, ويقول خالد:

" إني أشهد أن لا اله إلا الله...

وأشهد أن محمدا رسول الله"..!!

وتنطلق أغاريد نفسه وأناشيدها..

ينطلق لمهرجان كله الذي كان في باطنه.. ويبلغ النبأ أباه.



يوم أسلم سعيد, لم يكن قد سبقه إلى الإسلام سوى أربعة أو خمسة,فهو إذن من الخمسة الأوائل المبكرين إلى الإسلام.

وحين يباكر بالإسلام واحد من ولد سعيد بن العاص, فان ذلك في رأي سعيد, عمل يعرّضه للسخرية والهوان من قريش, ويهز الأرض تحت زعامته.

وهكذا دعا إليه خالد, وقال له:" أصحيح أنك اتبعت محمدا وأنت تسمعه يهيب آلهتنا"..؟؟

قال خالد: " إنه والله لصادق..

ولقد آمنت به واتبعته"..

هنالك انهال عليه أبوه ضربا, ثم زجّ به في غرفة مظلمة من داره, حيث صار حبيسها, ثم راح يضنيه ويرهقه جوعا ..

وخالد يصرخ فيهم من وراء الباب المغلق عليه:

" والله انه لصادق, وإني به لمؤمن".

وبدا لسعيد أن ما أنزل بولده من ضرر لا يكفي, فخرج به إلى رمضاء مكة, حيث دسّه بين حجارتها الثقيلة الفادحة الملتهبة ثلاثة أيام لا يواريه فيها ظل..!!

ولا يبلل شفتيه قطرة ماء..!!

ويئس الوالد من ولده, فعاد به إلى داره, وراح يغريه, ويرهبه.. يعده, ويتوعّده.. وخالد صامد كالحق, يقول لأبيه:

" لن أدع الإسلام لشيء, وسأحيا به وأموت عليه"..

وصاح سعيد:

" إذن فاذهب عني يا لكع, فواللات لأمنعنّك القوت"..

وأجابه خالد:

".. والله خير الرازقين"..!!

وغادر الدار التي تعجّ بالرغد, من مطعم وملبس وراحة..

غادرها إلى الخصاصة والحرمان..

ولكن أي بأس..؟؟

أليس إيمانه معه..؟؟

ألم يحتفظ بكل سيادة ضميره, وبكل حقه في مصيره..؟؟

ما الجوع إذن, وما الحرمان, وما العذاب..؟؟



وإذا وجد إنسان نفسه مع حق عظيم كهذا الحق الذي يدعو إليه محمد رسول الله, فهل بقي في العالم كله شيء ثمين لم يمتلكه من ربح نفسه في صفقة, الله صاحبها وواهبها...؟؟

وهكذا راح خالد بن سعيد يقهر العذاب بالتضحية, ويتفوق على الحرمان بالإيمان..

وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المؤمنين بالهجرة الثانية إلى الحبشة, كان خالد بن سعيد, ممن شدّوا رحالهم إليها..



ويمكث خالد هناك إلى ما شاء الله أن يمكث, ثم يعود مع إخوانه راجعين إلى بلادهم, سنة سبع, فيجدون المسلمين قد فرغوا لتوهم من فتح خيبر..

ويقيم خالد بالمدينة وسط المجتمع المسلم الجديد الذي كان أحد الخمسة الأوائل الذين شهدوا ميلاده, وأسسوا بناءه, ولا يغزو النبي غزوة, ولا يشهد مشهدا, إلا وخالد بن سعيد من السابقين..

وكان خالد بسبقه إلى الإسلام, وباستقامة ضميره ونهجه موضع الحب والتكريم..

كان يحترم اقتناعه فلا يزيفه ولا يضعه موضع المساومة.

قبل وفاة الرسول جعله عليه السلام واليا على اليمن..

ولما ترامت إليه أنباء استخلاف أبي بكر, ومبايعته غادر عمله قادما إلى المدينة..

وكأنه يعرف لأبي بكر الفضل الذي لا يطاول..

بيد أنه كان يرى أن أحق المسلمين بالخلافة واحد من بين هاشم:

العباس مثلا, أو عليّ ابن أبي طالب..

ووقف إلى جانب اقتناعه فلم يبايع أبا بكر..

وظل أبو بكر على حبه له, وتقديره إياه لا يكرهه على أن يبايع, ولا يكرهه لأنه لم يبايع, ولا يأتي ذكره بين المسلمين إلا أطراه الخليفة العظيم, وأثنى عليه بما هو أهله..

ثم تغيّر اقتناع خالد بن سعيد, فإذا هو يشق الصفوف في المسجد يوما وأبو بكر فوق المنبر, فيبايعه بيعة صادقة وثقى..



ويسيّر أبا بكر جيوشه إلى الشام, ويعقد لخالد بن سعيد لواء, فيصير أحد أمراء الجيش..

ولكن يحدث قبل أن تتحرك القوات من المدينة أن يعارض عمر في إمارة خالد بن سعيد, ويظل يلح على الخليفة أن يغيّر قراره بشأن إمارة خالد..

ويبلغ النبأ خالد, فلا يزيد على قول:

" والله ما سرّتنا ولايتكم, ولا ساءنا عزلكم"..!!

ويخفّ الصدّيق رضي الله عنه إلى دار خالد معتذرا له, ومفسرا له موقفه الجديد, ويسأله مع من من القوّاد والأمراء يجب أن يكون: مع عمرو بن العاص وهو ابن عمه, أو مع شرحبيل بن حسنة؟

فيجيب خالد إجابة تنمّ على عظمة نفسه وتقاها:

" ابن عمّي أحبّ إليّ في قرابته, وشرحبيل أحبّ في أحبّ إليّ في دينه"..

ثم اختار أن يكون جنديا في كتيبة شرحبيل بن حسنة..



ودعا أبو بكر شرحبيل إليه قبل أن يتحرّك الجيش, وقال له:

" انظر خالد بن سعيد, فاعرف له من الحق عليك, مثل مل كنت تحبّ أن يعرف من الحق لك, لو كنت مكانه, وكلن مكانك..

انك لتعرف مكانته في الإسلام..

وتعلم أن رسول الله توفى وهو له وال..

ولقد كنت وليته ثم رأيت غير ذلك..

وعسى أن يكون ذلك خيرا له في دينه, فما أغبط أحد بالإمارة..!!

وقد خيّرته في أمراء الجند فاختارك على ابن عمّه..

فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه إلى رأي التقي الناصح, فليكن أول من تبدأ به: أبو عبيدة بن الجرّاح, ومعاذ بن جبل.. وليك خالد بن سعيد ثالثا, فانك واجد عندهم نصحا وخيرا..

وإياك واستبداد الرأي دونهم, أو إخفاءه عنهم"..



وفي موقعه مرج الصفر بأرض الشام, حيث كانت المعارك تدور بين المسلمين والروم, رهيبة ضارية, كان في مقدمة الذين وقع أجرهم على الله, شهيد جليل, قطع طريق حياته منذ شبابه الباكر حتى لحظة استشهاده في مسيرة صادقة مؤمنة شجاعة..

ورآه المسلمون وهم يفحصون شهداء المعركة, كما كان دائما, هادئ السّمت, ذكي الصمت, قوي التصميم, فقال:

" اللهم ارض عن خالد بن سعيد"..!!
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة



جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 . الساعة الآن » [ 09:02 PM ]


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd , SyRiAn BoY
[ SyRiAn BoY Club ], Developed by [ GS-IT Co.].
SyRiAn BoY CluB
For Best Browsing, Use Mozilla Firefox v17.0
       
Copyright © 2005-2018 syrianboy.net. All rights reserved